عبد الوهاب الشعراني
231
تنبيه المغترين
وكان يؤتى بالقدح من الماء ليشربه فما يضعه على شفتيه حتى يفيض من دموعه ولم يرفع بصره إلى السماء بعد ذلك حياء من اللّه تعالى إلى أن مات عليه الصلاة والسلام ، وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : بلغني أن داود عليه الصلاة والسلام ذكر ذنبه ذات يوم فذهب صارخا واضعا يده على رأسه حتى لحق بالجبال فاجتمعت إليه السباع فقال : ارجعوا لست أريدكم إنما أريد كل بكاء على خطيئته مثلي ومن لم يكن ذا خطيئة فماذا يصنع بداود الخطاء . وقال كعب الأحبار رضي اللّه عنه : كان الناس إذا لاموا داود عليه الصلاة والسلام على طول البكاء يقول : ذروني أبكي قبل بكاء اليوم الطويل قبل تحريق العظام واشتعال اللحى بالنار ، قبل أن يؤمر بالعبد إلى جهنم فتسحبه ملائكة غلاظ شداد ، وقد كان عبد العزيز بن عمير رحمه اللّه تعالى يقول : لما أصاب داود عليه الصلاة والسلام الخطيئة نقصت قوته وبح صوته فقال : إلهي قد بح صوتي في صفات أصوات الصديقين فأوحى اللّه إليه إن الصديقين لا يخطئون ، وقد كان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : كان داود عليه الصلاة والسلام قبل وقوعه في الخطيئة يقول : اللهم لا تغفر لمن عصاك غيرة لجناب الحق عز وجل ، فلما وقع في الخطيئة صار يقول : اللهم اغفر لكل خطاء حتى تغفر لعبدك داود معهم . وكان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول : لما اشتد البكاء على داود عليه الصلاة والسلام ولم ير البكاء ينجع ، قال : يا رب أما ترحم بكائي فأوحى اللّه تعالى إليه يا داود نسيت ذنبك وذكرت بكاءك ، فقال : إلهي كيف أنسى ذنبي وكنت إذا تلوت الزبور كفي الماء الجاري عن جريه وسكن الريح عن الهبوب وأظلني الطير وأنست الوحوش إلى محرابي ، فما هذه الوحشة التي بيني وبينك يا رب ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه يا داود ذاك أنس الطاعة وهذه وحشة المعصية ، يا داود آدم خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي وأسجدت له ملائكتي وألبسته ثوب كرامتي وتوجته بتاج وقاري وشكا إلي الوحدة فزوجته بحواء أمتي وأسكنته جنتي ، فلما عصاني مرة واحدة بأكله من الشجرة طردته عن جواري عريانا ذليلا ، يا داود اسمع مني ما أقول والحق أقول أطعتنا فأطعناك وسألتنا فأعطيناك وعصيتنا فأهملناك وإن عدت إلينا قبلناك . ( قلت ) اعلم أن الذي يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خطايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تعقل لأمثالنا بل ربما تقرب أحدنا بها إلى اللّه تعالى ولا يجوز حملها على ما نتعقله نحن من المعاصي التي نهانا اللّه عنها ، فاحفظ يا أخي نفسك ولسانك في حق أكابر حضرة اللّه